«هرطقات» القاعدة!
د. أكرم حجازي
2/1/2010

صباح يوم جمعة (25/12/2009)؛ هبطت طائرة ركاب مدنية قادمة من مطار أمستردام في هولندا أرض مطار ديترويت حاملة على متنها 278 راكبا إثر محاولة تفجيرها جوا. وفي 28/12/2009 تبنى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب محاولة التفجير في بيان أصدره رفقة صور خاصة لمنفذ الهجوم النيجيري عمر الفاروق عبد المطلب، نشرتها مؤسسة الملاحم الإعلامية التابعة للتنظيم. وخلال الأيام الأربعة الفارقة بين وقوع الهجوم وتبنيه عاشت الولايات المتحدة والدول الغربية حالة من التخبط الأمني والسياسي على كل المستويات وصلت إلى حد الصدمة.
وقبل أن تبدأ تصريحات الترقيع تشق طريقها إلى وسائل الإعلام بكثافة، بعد تبني القاعدة المسؤولية عن العملية، تقاذف المسؤولون الأمنيون والسياسيون الاتهامات في كل اتجاه؛ ابتداء من لحظة الهبوط الاضطراري وانتهاء بمسؤولية أجهزة الأمن والمراقبة والهجرة في لندن وأمستردام وواشنطن، وكل يتساءل مذهولا: كيف؟ كل هؤلاء وغيرهم في العالم أجمع يعترفون بالفشل والتقصير وحجم الكارثة، ويطالبون بإعادة النظر في الإجراءات الأمنية، وتجديد لوائح المطلوبين، وتحديد المسؤولية والمسؤولين عن الخلل وإعادة النظر بفحص المطارات وإجراءاتها الأمنية في عدد من الدول حتى لو تطلب الأمر تحويل المسافرين إلى عراة تحت الفحص الأمني.
من المفهوم أن التعبير عن الغضب والحنق عند الغرب يتخذ طابعا مهنيا مهما تأججت المشاعر العاطفية، بينما يبدو الأمر على النقيض حين يكون بمواصفات عربية، حتى لو صدر عن دبلوماسي في وزارة الخارجية اليمنية علق في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية (29/12/2009) على تهديدات القاعدة بالقول: « إن ما جاء في بيان هذا التنظيم الإرهابي هرطقات وتهديدات سخيفة جوفاء لا تستحق عناء الرد»! ومن الواضح أن التصريح عبّر عن قمة الغضب، لكنه بلغة مهنية ليس سوى الهرطقة بحد ذاتها.
بالمقاييس المنطقية فقد أُعدت العملية ونُسقت ونُفذت بهدف إيقاع خسائر بشرية كبيرة في ظروف معينة تكون لها تداعيات كارثية على كل مستوى سياسي وأمني واجتماعي واقتصادي وعسكري … . لكن العملية بهذا المقياس فشلت كون الانفجار تقنيا لم يكتمل بحسب بيان القاعدة. والسؤال هو: إذا كان الركاب قد نجحوا في السيطرة على الموقف داخل الطائرة، ونجوا من موت محقق؛ فهل نجت تداعيات الحدث من الانفجار؟ الجواب قطعا بالنفي. إذ أن للحدث دلالات بالغة العمق والخطورة كما سنرى تاليا في سلسلة من الملاحظات.
خطوة أو اثنتين
تُذكِّر عملية الطائرة بتلك العملية التي نفذها عبد الله حسن العسيري من قاعدة الجزيرة في 27/8/2009، واستهدفت الأمير محمد بن نايف مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية. ففي العمليتين استخدمت القاعدة شحنات متفجرة صغيرة جدا فضلا عن تقنيات إخفاء لم تكن معهودة من قبل. ومع أن الهدف المباشر لم يتحقق من كلا العمليتين إلا أنهما حققتا اختراقا أمنيا مرعبا ومفاجئا لم يخطر على بال أحد. وكان من الممكن أن تكون العملية الأولى بمثابة ناقوس تحذير يدق أبواب أجهزة الأمن في العالم أجمع، لكن مثل هذا الأمر لم يحصل، والدليل على ذلك أنه لو حصل لما هاجمت القاعدة بنفس الطريقة تقريبا، ولما وقع الاختراق الثاني، ولما اضطر ركاب الطائرة للتدخل لإنقاذ أنفسهم. بل أنه وحتى هذه اللحظة لا تتوفر أية رواية قاطعة على الطريقة التي تم فيها إخفاء الشحنات المتفجرة ولا الآلية التي تم بموجبها اختراق أجهزة الأمن. وكل ما هنالك، حتى هذه اللحظة، مجرد تصريحات وتخمينات و
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ